قالت صحيفة "يديعوت أحرنوت" إن قمة الاتحاد الأفريقي المقررة في أديس أبابا هذا الشهر كان يُفترض أن تكون احتفالاً بـ"التكامل القاري"، لكنها تحولت بدلاً من ذلك إلى خلفية لترسيخ أخطر بؤرة توتر جيوسياسي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، فبينما استغلت إثيوبيا وضعها كدولة مضيفة لتطبيع مشروع سد النهضة كواقع دائم، تحولت مصر من لغة الدبلوماسية إلى عقيدة "السيطرة الأمنية".
وأضافت: "بالنسبة لـ (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي، لم يعد النيل مجرد مورد يجب إدارته؛ بل أصبح خطاً أحمر وجوديًا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالأمن البحري للبحر الأحمر واستقرار حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله".
الأمن في المقام الأول
وأوضحت أنه لأكثر من عقد من الزمان، تعاملت مصر مع السد كنزاع فني، ساعيةً إلى وساطة دولية وأطر قانونية. إلا أنه بحلول مطلع عام 2026، انتقلت القيادة المصرية بالكامل إلى نموذج يضع الأمن في المقام الأول.
وأشارت إلى أن هذا التحول ينبع من إدراك أن سيطرة إثيوبيا على تدفق النيل تمثل "مفتاحًا مائيًا" دائمًا يمكن تفعيله خلال فترات الجفاف الممتدة، مما قد يُزعزع استقرار دولة يبلغ تعداد سكانها 110 ملايين نسمة.
ووضعت هذه الأزمة في إطار سلسلة أكبر من الأزمات، لافتة إلى أن القاهرة تواجه حاليًا وضعًا استراتيجيًا بالغ الصعوبة، يُجبرها على النظر في اتجاهين في آن واحد. ففي الشرق، يستمرّ التحوّل المضطرب في غزة في استنزاف الموارد الدبلوماسية والعسكرية المصرية.
وقالت "يديعوت أحرنوت" إنه بينما تتطلّب مبادرات "مشروع شروق الشمس" التي اقترحتها واشنطن إعادة إعمار القطاع بتقنيات متطورة ، لا تزال القاهرة تعيش تحت وطأة شبح النزوح الجماعي إلى سيناء.
أما في الجنوب، فوصفت الوضع بأنه أكثر خطورة. فقد فسّرت القاهرة مذكرة التفاهم لعام 2024 بين إثيوبيا ومنطقة أرض الصومال الانفصالية، بشأن إنشاء قاعدة بحرية، على أنها خطوة نحو "تطويق استراتيجي". واعتبرت أن ربط مصر الاستراتيجي لنهر النيل بالبحر الأحمر يُمثّل أهمّ تطورات عام 2026.
تحالف ثلاثي مع الصومال وإريتريا
وذكرت أن القاهرة لم تعد تتعامل مع هذين المنطقتين كمسرحين منفصلين للعمليات، فمن خلال تشكيل "تحالف ثلاثي" جديد مع الصومال وإريتريا، عززت مصر وجودها الفعلي على الأرض في القرن الأفريقي، ويُشكّل نشر القوات المصرية ضمن بعثة دعم واستقرار الاتحاد الأفريقي في الصومال إشارة واضحة إلى تغيير "الخط الأحمر".
وألمحت مصر إلى أن أي محاولة من جانب إثيوبيا لتعزيز نفوذها البحري في البحر الأحمر ستُقابل بتشديد الإجراءات الأمنية حول منبع النيل، فيما وصفته الصحيفة بأنه "مناورة واقعية كلاسيكية: فإذا سيطرت إثيوبيا على مياه مصر، ستسيطر مصر على وصول إثيوبيا إلى العالم".
موقف واشنطن
وبالنسبة لواشنطن، أوضحت الصحيفة أنه "لا يمكن التقليل من خطورة هذا التوتر الإقليمي. يجب أن تتجاوز جهود الوساطة التي تبذلها إدارة ترامب إطار "إطلاق المياه المتوقع" وأن تعالج المخاوف الأمنية الكامنة لدى المؤسسة المصرية".
وقالت: "لا تزال "مسودة واشنطن" لعام 2020 الأساس الوحيد القابل للتطبيق لاتفاقية ملزمة قانونًا. فبدون معاهدة تتضمن بروتوكولات إلزامية للتخفيف من آثار الجفاف، سيستمر المسؤولون الأمنيون في القاهرة في النظر إلى السد كسلاح دمار شامل يتحرك ببطء".
ورأت الصحيفة أن النيل لم يعد نهرًا محليًا، بل هو فتيل برميل بارود إقليمي، فإذا ما أُغلقت المياه، سيمتد أثر الانفجار من قناة السويس إلى مضيق جبل طارق.
الضغوط الداخلية على السيسي
علاوة على ذلك، أشارت الصحيفة إلى تزايد الضغوط الداخلية على إدارة السيسي، "فمصر تعاني حاليًا من "شحّ مائي حاد"، حيث انخفض نصيب الفرد من المياه إلى ما دون عتبة 500 متر مكعب".
وقالت إنه في بلدٍ يُعدّ فيه الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي ركيزتين أساسيتين للشرعية، فإن أي تقصير يُنظر إليه على أنه في حماية النيل يُنذر بفتنة داخلية.
وفقًا للصحيفة العبرية: "تدرك الحكومة المصرية أن التراجع الزراعي الناجم عن الشحّ المائي قد يُعيد إحياء المظالم المناهضة للدولة التي كانت سائدة في الماضي".
واعتبرت أن "الخط الأحمر" لنهر النيل يُمثّل التحدي الأبرز لعام 2026، وقالت إن التطورات في غزة، وعدم استقرار البحر الأحمر، والجمود المحيط بسد النهضة تسبب في أزمة أمنية متعددة الجبهات لم يعد بإمكان القاهرة تجاهلها.
ومضت الصحيفة إلى القول: إن "الاستراتيجية الكبرى" للغرب واضحة: استقرار النيل من أجل استقرار الشرق الأوسط، وإذا سُمح لإثيوبيا بممارسة هيمنتها المائية الأحادية، فلن يقتصر رد الفعل المصري على ضفاف النهر، بل سيمتد إلى الممرات البحرية للبحر الأحمر والتحالفات الجيوسياسية في بلاد الشام".
https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/b1cb8g700bl

